أخبار عاجلة
20
سبتمبر
9:15 am

حلب : مرارة الواقع الطبي زمن الحرب

الكاتب : هدى أبو نبوت

لم يعد خافياً على أحد أن مدينة حلب كانت أكثر المدن تضرراً على كل الاصعدة بعد عسكرة الثورة . إذ شهدت هذه المدينة المأهولة بملايين البشر ظروفاً استثنائية , بحيث صنفت كأخطر مدينة بالعالم ،وصنف معبر بستان القصر عام ٢٠١٣  كأخطر معبر للمشاة المدنيين حيث كان يشهد حالات قنص يومية قبل إغلاقه من جهة النظام وإستبداله بطريق خناصر العسكري .

بزمن الحرب وسقوط أعدادٍ هائلة من القتلى والجرحى يومياً  ،ومع إنتشار الكثير من الأوبئة المعروفة وعودة ما أنقرض منها للواجهة، يتسائل المراقبون عن حال البنية التحتية الطبية في المدينة وكيف تعمل..؟

لم يطرأ تغيير يذكر في الواقع الطبي للمدينة قبل شهر تموز من عام ٢٠١٢ , الشهر الذي شهد دخول الجيش الحر لمدينة حلب وتمركزه خلال فترة قصيرة جداً بمساحة واسعة فيها , باتت تعرف لاحقاً بحلب الشرقية،حيث خرجت عن الخدمة في ذات الوقت مشافي الأطفال والعيون ومشفى زاهي أزرق (الحميات)ومدرسة التمريض والمعهد الصحي , وتحولت لمقرات عسكرية لقوات المعارضة .

عام ٢٠١٣ تم تدمير مشفى الكندي وهو أكبر مشفى حكومي يقوم بتقديم علاج لاكبر وباء منتشر بسوريا وهو إلتهاب الكبد , وتقام فيه أكبر العمليات الجراحية وبذالك اقتصرت الخدمات الطبية على المشفى الجامعي ومشفى ابن رشد لغسيل الكلى لان مشفى الرازي كان قد حول لثكنة عسكرية ويعالج فيه جرحى الجيش ولجان الدفاع الوطني فقط .

اعتمدت المناطق المحررة على المشافي الميدانية التي عرف منها واشتهر مشفى الشفاء وحتى عام ٢٠١٣كان يقدم خدمات معقولة تنقذ على الأقل مايمكن إنقاذه بإمكانات محدودة ولكن النظام كان يقصف المشافي الميدانية بشكل ممنهج بذالك حرمت مناطق حلب المحررة من خدماته ولم يبقى سوى مشفى زرزور وهو لا يكاد يتحمل عبئ إنقاذ من يصله يومياً جراء القصف اليومي بالبراميل المتفجرة ،بذالك كان إعتماد المدنيين في حلب بالقسمين بشكل شبه كامل على مناطق النظام للحصول على العناية الطبية .

لم تقتصر مأساة المواطنيين عند ندرة المشافي التي قد يضطرون للجوء إليها بل تعدت ذالك إلى ندرة الاطباء المتواجدين بمدينة يقطنها ما لا يقل عن اربع ملايين نسمة , فبعد عامين على  إغلاق مشفى الباسل لجراحة القلب مثلاً هاجر رئيسه وكل كادره من الاطباء خارج القطر ،ولم يفتح قسم العمليات  إلا بعد عاميين كامليين .

عام ٢٠١٤ كان يرأس قسم التنقية في مشفى  الكلية الجراحي طبيب إختصاص داخلية بسبب هجرة آخر طبيب اختصاص جراحة كلية , علماً أن هجرة الأطباءلم تكن بحثاً عن فرصةٍ أفضل أو خوفاً من الموت بالضرورة  ، بل أتت نتيجةً لحملة النظام على الأطباء خصوصاً منذ أيام الثورة الأولى , فلم يكن  الاطباء في مأمن من الإعتقال الذي طال كثيرين قبلهم ،او حتى وصول  الكثير من أخبار زملائهم الذين ماتوا تحت التعذيب كرمي جثة الطبيب "صخرحلاق "على طريق سفيرة التابعة لمحافظة حلب مشوهاً بظروف غامضة، أو حتى تعرض الكثير منهم للأبتزاز والتهديد بالخطف , حتى أن حلب اشتهرت بخطف رجال الاعمال والاطباء ولم يسلم  رئيس مشفى ابن رشد عام ٢٠١٢ من محاولة خطف من عيادته  ليهاجر هو الاخر دون أن يعرف بدقة الجهة الخاطفة أو الحد منها في منطقة تخضع بشكل كامل لسيطرة النظام .

اشتداد المعارك وإنقسام حلب بين شرقية فيها أغلب موظفي الدولة وتقع خارج سيطرة النظام ,  وغربية مازالت تحت السيطرة وربطهم بطريق خناصر العسكري ضاعف الخطورة التي يتعرض لها الأطباء , بحيث يسلك الموظف مسافة عشر ساعات يضطر خالها للتوقف أمام الحواجز العسكرية للجيش الحر وتنظيم الدولة  والنظام قلصت إيضا عدد الكوادر الطبية الاخرى لأنهم معرضون للخطر من الجهات الثلاث لحساسية موقعهم بزمن الحرب وإتهام كل جهة بمعالجة أعداء الجهة الاخرى  , حتى أن بعد المشافي اقتصر كادرها على ممرض واحد أو اثنين باحسن الاحوال .

وبغياب الخدمات كإنقطاع الكهرباء الدائم أوقف عمل المشافي أكثر من مرة بسبب عدم إلتزام النظام بتأمين الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية ، ولم يقف إهمال النظام للقطاع الصحي على الكهرباء فقط , حيث تم التعتيم إعلامياً على خبر وفاة  ١٠٠مريض عام٢٠١٤ لعدم تامين جلسات الغسيل لهم خلال توقف مشفى إبن رشد  شهر كامل عن العمل وتدهورت صحة عدد كبير منهم لتقليص عدد مرات الغسيل في وقت لاحق لم تغير من الواقع شيئاَ , كما إزدادت نسبة إنتشار إلتهابات الكبد بمختلف أنواعها بسبب التوقف عن  فحص اكياس الدم في بنك الدم لعدم تواجد المواد الضرورية لذالك فاصبح ينقل الدم كما هو ومع كل ما يحمله من امراض .

يضاف إلى الأسباب السابقة التي انعكست على الواقع الصحي في المدينة , تلوث المياه لإعتماد المشافي على مياه من الآبار خالية من كل انواع التعقيم والمراقبة  , كما أن إنقطاع المياه لاشهر عن المدينة بفترات مختلفة ومتكررة انتشرت الامراض الجلدية وعادت  اللاشمانيا(حبة حلب) بشكل اضطر مديرية الصحة لرش المواد الكيماوية في مناطق سيطرة النظام للحد من إنتشارها دون الإهتمام بمعالجة الاسباب الرئيسية لإنتشارها من تكدس القمامة وإنقطاع المياه ،

و في عام ٢٠١٤ أيضاً انقطعت المياه لشهريين متتاليين انتشرت يرقانات الاطفال بشكل مخيف وانتقلت للكبار بحيث لم يمر يوم بتلك الفترة لم يستقبل مشفى ابن رشد عشرات الحالات للفحص المخبري .

كما انتشر مرض شلل الاطفال بسبب عدم وصول لقاحات الاطفال للمناطق الخارجة عن  سيطرة النظام , والتي شكل فقدانها عقبة اخرى تعترض المدنيين فكل طفل حتى عمر السنتيين بحاجة للقاحات دورية لم تكن تملكها اغلب المناطق المحررة فكان المدني يتحمل سفر عشر ساعات والمرور بكل الحواجز العسكرية من اجل حصول أبنه على لقاح يحميه لاحقا من امراض غير قادر على علاجها مع المفارقة بانه هو وابنه قد لا ينجو من القصف او القنص او حتى الاعتقال على إي حاجز عسكري . 

عدد المشاهدات 1341