أخبار عاجلة
03
مارس
11:25 am

ألم الجغرافيا في تفاصيل الحياة

الكاتب : هدى حسن

معالم الدولة السورية التي حافظت على استقرارها لأكثر من ثلاث عقود محكومة  بالحديد والنار , بنسختها القديمة أيام حكم الأب والحديثة خلال حكم الابن بذات التسلط على كل مفصل من مفاصل الدولة بحيث لا يسمح لفتح  كشك لبيع الفلافل دون موافقة أمنية تجمع معلوماتك من تاريخ ولادتك حتى تاريخ استخراجك لهذه الموافقة  تلاشت تقريبا  بعد أربع سنوات من عمر الثورة السلمية التي تحولت تدريجيا لمسلحة وتوسع رقعة الحرب لتمتد إلى كل شبر فيها بحيث فقدت تقريباً وجهها المألوف للسوريين على عدة صعد : جغرافياً بسبب اختلاف مناطق الحرب وسيطرة المقاتلين , وديموغرافياً بسبب النزوح , وإقتصادياً بسبب الحرب وإنسانياً بسبب اللجوء والتشرد .

لن يتوقع أي مراقب أوحتى من يعيش داخل سوريا حجم هذا التغيير الهائل كما يلمسه يومياً المواطن المتنقل من محافظة لأخرى أو من مكان لأخر في ذات المحافظة.

 خيالية الفكرة تراها متجسدة واقعاً أمامك وأنت تنتقل صباحاً من دولة الخلافة لتنام ليلاً في  جزء من دولة تدعى سوريا .

أو تخرج من منطقة تتبع للإدارة الذاتية الكردية لتمر عبرحواجز الجيش الحر ومناطق سيطرة المعارضة ثم النظام وتعيش لحظة بلحظة كيف تحول طريقك الذي يستغرق عشردقائق إلى نصف ساعة , وبعد عدة أشهر تتضاعف المسافة والوقت , وتتغير الوجوه والرايات المرفوعة والجهات المسيطرة ,  ويفرض الأمرالواقع المتمثل بتبدل موازين القوى إلى تغير الطرقات , الذي تتضاعف معه , مرة أخرى , المسافة والزمن.

 وتضطر أن تسلك الطريق الطويل المحفوف بالمخاطر , لقضاء حاجات يومية بسيطة   كتسجيل مولود أوشهادة وفاة , أوطلباً للعلاج بغياب الخدمات الطبية بالمناطق الخارجة عن سيطرة النظام  , وإنتهاءً بالحصول على  جواز سفر .

لن يقدر حجم هذه المأساة سوى نحن من نركب طريق السفر متنقلين من أماكن إقامتنا الحالية بسبب النزوح في مناطق سيطرة المعارضة إلى أعمالنا في مناطق سيطرة النظام .

فبعد أن فرضت الحرب تقسيم مدينة حلب إلى غربية وشرقية , وبت محاصراً تماماً إلا من طريق إجباري خاضع للنظام وهو خناصر, تتحول المسافة بين بيتك الجديد الذي نزحت إليه ,  إلى مكان عملك من عشر دقائق , إلى عشر ساعات , وعدد غير معروف من الحواجز العسكرية المختلفة .

تركب طريق السفر ليلاً لأنك ستقضي ساعات طويلة متنقلاً من حاجز إلى آخر , وكل حاجزٍ يوقفك على حدة , لسبب ما , ولكنهم يجتمعون جميعهم على فكرة واحدة وهي إذلال هذا المواطن وإظهار أنهم الطرف الأقوى والمسيطر حالياً والمنتصر لاحقاً .

هذه الليلة تتكرر من أكثر من عام منذ إغلاق معبر بستان القصر الذي يفصل حلب المحرر عن النظام وتحول الطريق لخناصر العسكري .

يجافيني النوم في كل ليلة أسافر فيها ورقم (3) تحول لأهم رقم  في حياتي , ففي الساعة الثالثة فجراً , أركب السيارة كل عشرين يوم من دولة الخلافة إلى مناطق سيطرة النظام لتمسكي بعملي , أعيش نوعين متضادين من الحياة , يجمع بينهما قاسم مشترك واحد وهو انعدام الأمان .

خلال فترة تنقلي الطويلة والمتكررة بين الحواجز المختلفة أدمنت التأمل وشعرت بمتعة المراقبة وحبست خوفي داخلي وتحليت  بشجاعة تساعدني على تحمل ظروفي الصعبة وتنقلي الدائم بزمن الحرب .

واستطعت تجاوز كل مشاعرالحب والكره لهذا الطرف أوذاك من خلال مراقبتي الدائمة لهم ولتصرفاتهم عند كل حاجز أجد نفسي ألعب لعبة إيجاد الفوارق العشرة  بين الصورتين المتماثلتين , إلى أن وصلت ليقين تشابه كل عنصر مسلح مع آخر مهما اختلفت عقيدته القتالية , دينيةً كانت أم حزبية , أوحتى جيوش نظامية .

فالفوارق تكون بالمظهر الخارجي والراية المرفوعة والغاية القتالية , ولكنهم يجتمعون جميعاً على قاعدة الغاية تبررالوسيلة , وبقوة السلاح يهينون النفس البشرية .

مازلت أركب طريق السفر ذاك , مجتازة كل هذه الحواجز ذهاباً وإياباً , وفي داخلي يقين , بأنني سأعود لأسلك كل تلك الطرق يوماً ما , دون أن يوقفني أي حاجز عسكري ليدقق في هويتي الشخصية .

عدد المشاهدات 1308